سفاح بغداد أبو طبر: القصة الحقيقية للرجل الذي أرعب العراق في السبعينيات
لم يكن سكان بغداد يتوقعون أن تتحول منازلهم، التي كانت تمثل لهم أكثر الأماكن أماناً، إلى مصدر للخوف والقلق. ففي مطلع سبعينيات القرن الماضي، بدأت العاصمة العراقية تشهد سلسلة من الجرائم الغامضة، استهدفت عائلات داخل منازلها، وتركت خلفها أسئلة كثيرة لم تجد إجابات سريعة.
لم يكن القاتل معروفاً، ولم تكن دوافعه واضحة، لكن اسماً غريباً بدأ ينتشر بين الناس، حتى أصبح يتردد في المجالس والبيوت والأسواق: أبو طبر.
ومع كل جريمة جديدة، كانت دائرة الخوف تتسع، وأصبح سكان بغداد يتساءلون عن هوية الرجل الذي يستطيع الوصول إلى المنازل وتنفيذ جرائمه ثم الاختفاء دون أن يترك وراءه دليلاً واضحاً يقود إليه.
هذه ليست حكاية خيالية عن قاتل في مدينة مظلمة، بل قضية جنائية حقيقية أصبحت واحدة من أشهر القضايا وأكثرها إثارة للجدل في تاريخ العراق الحديث.
بداية جرائم أبو طبر في بغداد
في عام 1973، كانت بغداد تعيش ظروفاً سياسية وأمنية معقدة، ولم يكن أحد يتصور أن العاصمة ستواجه واحدة من أكثر موجات الخوف غرابة في تاريخها.
في سبتمبر/أيلول من ذلك العام، بدأت أخبار سلسلة من الجرائم المروعة تظهر إلى العلن. كانت بعض الاعتداءات تقع داخل المنازل، حيث يتعرض أصحابها للقتل والسرقة، وأحياناً تستهدف الجرائم أكثر من فرد من العائلة الواحدة.
لم تكن طريقة ارتكاب الجرائم مألوفة بالنسبة إلى سكان المدينة، كما أن تكرارها في مناطق مختلفة جعل الشرطة أمام قضية صعبة.
لم يكن الأمر مجرد سرقة منزل أو اعتداء عابر؛ فقد كان هناك نمط متكرر أثار انتباه المحققين، وأصبح من الواضح أن الجرائم قد تكون مرتبطة بشخص واحد أو بمجموعة تتحرك بالطريقة نفسها.
وفي السادس من سبتمبر عام 1973، صدر تصريح رسمي عن وزارة الداخلية العراقية، أشار إلى وقوع ثلاث جرائم اتسمت بالوحشية، وأن التحقيقات الأولية رجحت أن مرتكبيها شخص واحد أو مجموعة واحدة.
كما أعلنت الوزارة تخصيص مكافأة مالية قدرها عشرة آلاف دينار لمن يقدم معلومات تساعد في كشف الجناة.
كان ذلك الإعلان مؤشراً واضحاً على أن القضية تجاوزت حدود الحوادث الجنائية المعتادة، وأن السلطات أصبحت تحت ضغط كبير لكشف الحقيقة.
لماذا أطلق العراقيون عليه اسم أبو طبر؟
مع انتشار أخبار الجرائم، بدأ الناس يطلقون على الجاني لقب «أبو طبر».
كان الاعتقاد الشائع أنه يستخدم الطبر، وهي أداة تشبه الفأس، في الاعتداء على ضحاياه. ومع تكرار الاسم، تحول إلى لقب مخيف ارتبط في أذهان العراقيين بالقتل والاعتداء على العائلات.
لكن الحقيقة كانت مختلفة عن الاعتقاد الشعبي.
فبحسب شهادة الدكتور أكرم المشهداني، الذي شارك في التحقيقات الجنائية المتعلقة بالقضية وكان يعمل آنذاك في الشرطة، لم تكن الأداة التي استخدمها الجاني طَبراً بالمعنى المتداول، وإنما قضيباً حديدياً.
وهذا التفصيل يكشف جانباً مهماً من القضية: حتى الاسم الذي اشتهر به المجرم ارتبط برواية شعبية لم تكن دقيقة تماماً.
ومع ذلك، لم يكن الاسم بحاجة إلى تفسير طويل حتى يثير الرعب؛ فقد أصبح مجرد سماعه كافياً لاستحضار الجرائم التي شهدتها بغداد.
مدينة كاملة تعيش تحت ضغط الخوف
مع تتابع الحوادث، لم يعد الخوف مقتصراً على العائلات التي تعرضت للجرائم، بل امتد إلى أحياء كاملة.
بدأ السكان يتحدثون عن احتمال تعرض منازلهم للاقتحام، وأصبح بعضهم أكثر حذراً عند فتح الأبواب أمام الغرباء.
كانت الأخبار تنتقل بسرعة، وفي كثير من الأحيان كانت التفاصيل تتغير مع انتقالها من شخص إلى آخر.
ظهرت روايات عن طرق دخول القاتل إلى المنازل، وعن الأشخاص الذين يُشتبه فيهم، وعن وجود جهات تقف خلف الجرائم.
لكن المشكلة أن بعض هذه الروايات لم يكن يستند إلى أدلة مؤكدة.
وفي ظل حالة الخوف الجماعي، أصبح من الصعب التمييز بين المعلومات الصحيحة والشائعات.
كانت بغداد تعيش حالة غير عادية؛ فكل حادث جديد كان يعيد القلق إلى الشوارع، وكل خبر عن العثور على ضحايا جدد كان يجعل الناس يتساءلون إن كان القاتل سيختار منزلهم في المرة القادمة.
التحقيقات الأمنية والاشتباه في أشخاص أبرياء
واجهت الشرطة العراقية ضغطاً كبيراً من أجل إنهاء القضية.
كانت الجرائم تتكرر، والرأي العام ينتظر إجابة، والسلطات تريد معرفة ما إذا كان وراء الأحداث مجرم عادي أم أن هناك دوافع سياسية أو جهات أخرى متورطة.
وبسبب الظروف السياسية التي أحاطت بتلك الفترة، ظهرت شكوك حول احتمال وجود علاقة بين الجرائم وأحداث سياسية وأمنية سابقة.
لكن هذه الشكوك لم تكن دليلاً على وجود مؤامرة.
وقد تحدث الدكتور أكرم المشهداني لاحقاً عن الأخطاء التي وقعت أثناء التحقيقات، مشيراً إلى أن الضغوط التي تعرضت لها الأجهزة الأمنية أدت إلى اعتقال أشخاص على أساس الاشتباه، وأن بعضهم تعرض لإجراءات قاسية دون أن تثبت مسؤوليتهم عن الجرائم.
وتعد هذه الشهادة من أهم الجوانب التي ينبغي عدم تجاهلها عند قراءة تاريخ قضية أبي طبر.
فالقضية لم تكن فقط قصة قاتل مجهول، بل كانت أيضاً مثالاً على خطورة التحقيق تحت ضغط الخوف العام، عندما تتحول الشائعات إلى اتهامات وتصبح سرعة الوصول إلى متهم أهم من التحقق الدقيق من الأدلة.
توقف الجرائم زاد الغموض
من الأمور التي زادت غموض القضية أن وتيرة الجرائم توقفت لفترة، فتغيرت أحاديث الناس، وبدأت تظهر تفسيرات مختلفة لهذا التوقف.
تزامن ذلك مع حرب أكتوبر عام 1973، التي شغلت اهتمام العراقيين والعالم العربي.
وانتشرت بين الناس نكتة تقول إن أبا طبر ذهب إلى جبهة الحرب!
كانت مجرد نكتة شعبية، لكنها تكشف إلى أي درجة أصبح الاسم جزءاً من الحياة اليومية والذاكرة الجماعية في بغداد.
غير أن توقف الجرائم لم يكن يعني أن القضية انتهت، ولم تكن الشرطة قد وصلت بعد إلى إجابة نهائية عن هوية الرجل المسؤول.
كان القاتل لا يزال مجهولاً بالنسبة إلى معظم الناس، وكانت الأسئلة مستمرة.
اللحظة التي انكشف فيها اسم أبو طبر
في الثلاثين من مارس/آذار عام 1974، وقعت الحادثة التي قادت إلى القبض على الرجل الذي ارتبط اسمه بالجرائم.
وفق الرواية التي أوردها الصحفي صادق الطائي في تحقيقه عن القضية، تلقت الشرطة بلاغاً عن وجود لص داخل أحد المنازل في بغداد.
تحركت الدورية إلى المكان، وتمكنت من القبض على رجل كان يحاول السرقة.
لم يكن ذلك الرجل مجرد لص عادي كما بدا في البداية؛ فقد بدأت التحقيقات اللاحقة تكشف ارتباطه بجرائم سابقة.
كان اسمه حاتم كاظم هضم.
وبعد نقله للتحقيق، بدأت الأدلة تأخذ القضية إلى اتجاه مختلف تماماً.
فقد عثرت الجهات التحقيقية على مقتنيات مسروقة ارتبطت بمنازل سبق أن شهدت اعتداءات، كما ظهرت أدلة مادية أخرى دفعت المحققين إلى ربطه بالجرائم.
وبحسب شهادة أكرم المشهداني، فإن الشرطة كانت قد ألقت القبض عليه في منطقة الكرادة، ثم تولت جهات تحقيقية مشتركة متابعة الملف بعد ذلك.
لقد كانت لحظة القبض عليه نقطة التحول الكبرى في واحدة من أكثر القضايا الجنائية غموضاً في بغداد.
من هو حاتم كاظم هضم؟
بعد القبض على المتهم، لم تعد القضية تدور حول اسم مجهول يتناقله الناس، بل أصبح هناك شخص محدد يخضع للتحقيق.
كان حاتم كاظم هضم هو الرجل الذي ارتبطت به سلسلة الجرائم المعروفة باسم جرائم أبي طبر.
لكن الكشف عن هويته لم يُنهِ جميع الأسئلة.
فقد بدأت التحقيقات تتناول طبيعة علاقته بالأشخاص الذين كانوا على صلة ببعض الجرائم، وكيفية التصرف بالممتلكات المسروقة، وما إذا كان قد حصل على مساعدة من آخرين.
وأصبحت القضية أكبر من مجرد تحديد هوية القاتل؛ إذ كان لا بد من التمييز بين المسؤول عن تنفيذ جرائم القتل، وبين الأشخاص الذين ربما ارتبطوا بالسرقة أو بيع الممتلكات أو غيرها من الأفعال.
وهذا التمييز مهم، خصوصاً أن بعض الروايات التي ظهرت لاحقاً نسبت مسؤوليات مختلفة إلى أفراد من عائلته ومحيطه، ولم تكن جميع التفاصيل المتداولة متطابقة.
هل كان أبو طبر مرتبطاً بجهات سياسية أو مخابرات أجنبية؟
ربما كان هذا السؤال أكثر الأسئلة إثارة للجدل حول القضية.
ففي ذلك الوقت، كان العراق يمر بمرحلة سياسية حساسة، وكانت الجرائم قد وقعت بعد أحداث أمنية مهمة في البلاد.
لذلك ظهرت تفسيرات تتحدث عن احتمال وجود علاقة بين أبي طبر وجهات سياسية أو أجهزة مخابرات.
لكن التحقيقات، بحسب ما ذكره أكرم المشهداني، لم تثبت وجود صلة بين الجرائم ومحاولة الانقلاب التي سبقتها، كما لم تثبت وجود ارتباط بمخابرات أجنبية.
وفي المقابل، ظهرت لاحقاً روايات وشهادات أخرى أثارت تساؤلات حول بعض الظروف المحيطة بالقضية.
ولهذا فإن التعامل الصحفي الصحيح مع هذا الجانب يتطلب الحذر: توجد نظريات واتهامات تاريخية، لكن لا يجوز تقديمها باعتبارها حقائق قضائية مثبتة دون أدلة موثوقة.
إن ما يجعل قضية أبي طبر مثيرة حتى اليوم هو هذا التداخل بين الجرائم الحقيقية، والخوف الجماعي، والظروف السياسية، والروايات التي ظهرت بعد مرور سنوات طويلة.
المحاكمة ونهاية القضية
بعد انتهاء مراحل التحقيق، انتقلت القضية إلى المسار القضائي، وأصبحت أخبار المتهمين والإجراءات المتعلقة بهم موضع اهتمام واسع.
وتناقلت الروايات التاريخية أن حاتم كاظم هضم وبعض الأشخاص المرتبطين بالقضية صدرت بحقهم أحكام بالإعدام، وأن الحكم نُفذ عام 1976.
ومع ذلك، يجب التفريق بين المسؤولية الجنائية المثبتة لكل شخص وبين مجرد صلته بأفراد متهمين؛ فلا يصح اعتبار جميع أفراد العائلة مسؤولين عن جرائم القتل لمجرد ورود أسمائهم في بعض الروايات.
وبمرور الوقت، انتهت القضية من الناحية الجنائية، لكن آثارها بقيت في ذاكرة المجتمع العراقي.
لم يعد أبو طبر مجرد اسم لمجرم، بل تحول إلى جزء من الحكايات التي يتناقلها العراقيون عند الحديث عن الجرائم الغامضة في الماضي.
لماذا بقيت قضية أبو طبر حاضرة في ذاكرة العراقيين؟
هناك أسباب عديدة جعلت هذه القضية مختلفة عن غيرها.
أولها أن الجرائم استهدفت منازل وعائلات، وهي الأماكن التي يفترض أن يشعر فيها الإنسان بالأمان.
وثانيها أن الجاني ظل مجهول الهوية لفترة، ما سمح للشائعات بأن تنتشر وتكبر.
وثالثها أن الظروف السياسية التي شهدها العراق في تلك السنوات أضافت طبقة أخرى من الغموض إلى القضية.
أما السبب الرابع، فهو أن الاسم نفسه تحول إلى أسطورة شعبية، حتى إن بعض التفاصيل التي انتشرت عنه لم تكن مثبتة أو كانت مخالفة لما كشفته التحقيقات.
وهنا تظهر حقيقة مهمة: ليس كل ما يتناقله الناس عن قضية تاريخية يصبح حقيقة لمجرد تكراره لعشرات السنين.
فقد تتحول الجريمة إلى أسطورة، وتختلط الوقائع بالتفسيرات، ويصبح من الصعب على الأجيال الجديدة معرفة أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ المبالغة.
الخاتمة: عندما يصبح الخوف جزءاً من تاريخ مدينة
بعد مرور عقود على جرائم أبي طبر، ما زالت القضية تثير فضول المهتمين بتاريخ العراق والجرائم الحقيقية.
فهي تذكرنا بأن الجريمة لا تترك آثارها على الضحايا وعائلاتهم فقط، بل قد تؤثر في مدينة كاملة، وتغير طريقة تفكير الناس وشعورهم بالأمان.
كما تكشف أن التحقيق الجنائي يحتاج إلى أدلة دقيقة وصبر، وأن الخوف والشائعات يمكن أن يقودا إلى اتهام أشخاص أبرياء إذا غابت الدقة والموضوعية.
لقد انتهت قصة الرجل الذي عُرف باسم أبي طبر، لكن الأسئلة التي أحاطت بالقضية لم تختفِ كلها.
وبقيت بغداد تحتفظ بواحدة من أكثر صفحات تاريخها الجنائي غموضاً، صفحة بدأت بجرائم داخل المنازل، وانتهت بالقبض على رجل أصبح اسمه معروفاً في العراق كله.
كان اسمه حاتم كاظم هضم، لكن التاريخ الشعبي لم يتذكره بهذا الاسم؛ بل تذكره باسم واحد: أبو طبر.

